الأربعاء، 27 يونيو 2012
أهلا بالضيف
الفناء الفكري والموت الحراري!
د. خضر محمد الشيباني
من اللطائف في علم (الفيزياء) النظر إلى قوانينه ومفاهيمه ونتائجه، ثم مقارنة تلك القوانين والمفاهيم والنتائج مع ما يناظرها في الاطار العام من حياة البشر وتفاعلاتهم، ومجريات امورهم، وسيرورات احوالهم. ان لمثل تلك المقارنات، الشاحذة للذهن والمطورة للقدرات، فوائد عديدة، فاضافة إلى ما تقدمه من مادة فكرية عميقة جديرة بالتأمل والمتابعة والتحليل، فإنها - ايضا - تعمق الادراك بوحدة هذا الكون، وتجانس عناصره، وتناغم قوانينه، فيتجذر شعور الانسان بتلاحمه العضوي مع مكونات هذا الكون، وتزدهر لديه حاسة الاندماج والارتباط مع نبض الكون وسننه، ناهيك عن تلك الدفقات الايمانية الرائعة التي تدفع بها تلك المقارنات والتأملات إلى عقل الانسان وقلبه وهو يقف في خشوع امام وحدانية الخالق الذي صنع كل شيء واتقنه، وابدع تلك الوحدة الكونية المتلاحمة. ولا شك ان كل تلك التأملات الذهنية والوقفات الفكرية هي من عمليات (التدبر والتفكر) التي امرنا بها الخالق عز وجل، وهي توطد في الانسان ذلك الاحساس الفطري الحق بأنه ليس ذلك الكائن الذي جاء صدفة ليعيش عبثاً كما يزعم الملاحدة، ولكنه نتاج ارادة الهية خلاقة اتقنت كل شيء واحسنت خلقه، فينضوي الفكر والعلم تحت لواء يقود -بالضرورة - إلى الايمان بوحدانية الخالق المبدع لكل ذلك الاتقان والتجانس والتوافق والتلاحم بين عناصر الكون كلها، ومكوناته قاطبة. من المفاهيم الثابتة في (الفيزياء) مفهوم (الموت الحراري للكون)، فالحياة تعتمد في سيروراتها ومجرياتها على الطاقة الناتجة من سريان الحرارة بين الاجسام، وهذه الطاقة السارية بين الاجسام يستفاد منها في تحولات الطاقة المختلفة، وتطبيقاتها المتعددة لتجعل الحياة ممكنة، والتفاعلات الحيوية مستمرة. ولكن.. هناك مأزق في نهاية المطاف، فالطاقة الحرارية تسري من الاجسام الحارة إلى الاجسام الباردة، مما يؤدي بالضرورة إلى انخفاض درجة حرارة الاجسام الحارة وارتفاع درجة حرارة الاجسام الباردة، وهذا يعني انه مع مرور الزمن سوف تتساوى درجة حرارة جميع الاجسام في الكون، ويتوقف سريان الحرارة، وبالتالي تتوقف كل العمليات الحيوية اللازمة للحياة، مما يقود إلى (الموت الحراري) للكون. ان من لطف الله عز وجل بمخلوقاته ان كمية الحرارة المتوفرة في الكون كمية هائلة تقوم الشمس والنجوم بتزويدها، وشمسنا الموجودة في مجموعتنا (المحلية) هي التي تعتمد عليها الحياة على الارض، وهي كفيلة بتزويدنا بكميات ضخمة من الحرارة لمليارات السنوات القادمة حتى يقضي الله امراً كان مفعولاً. ان (الموت الحراري) للكون هو أحد الاحتمالات العلمية لنهاية الكون، ولكل اجل كتاب، ولله الأمر من قبل ومن بعد، وصدق الحق عز وجل:(الله الذي رفع السماوات بغير عمد ترونها ثم استوى على العرش وسخر الشمس والقمر، كل يجري لاجل مسمى، يدبر الأمر، يفصل الآيات لعلكم بلقاء ربكم توقنون) (الرعد:2). ان مفهوم (الموت الحراري) للكون هو من المفاهيم الفيزيائية الثابتة التي تحدد مسار الاحداث في الكون ومن اهم نتائجها انها تقرر ان للكون نهاية، مما يؤدي بداهة في الوقت نفسه إلى ان للكون بداية، وفي هذا دحض علمي قاطع لدعاوى الملاحدة والقائلين بأزلية الكون وقدمه، وهكذا تتهاوى مزاعم فئة (الأزليين) من الفلاسفة تحت وقع معطيات علمية ثابتة، وتسقط اوراق التوت عن عورات الملاحدة. اذن (الموت الحراري) هو فناء للحياة، فلا بد من اختلاف درجات الحرارة من موقع إلى موقع حتى تستمر التفاعلات الحيوية والانشطة الحياتية، ولو تساوت درجات الحرارة على وجه البسيطة، وبلغنا مرحلة (التعادل الحراري)، لتوقفت الحياة، وانتهت المرحلة الدنيوية للبشر. ذلك (الحال الفيزيائي) جدير منا ببعض التفكر في تبعاته في مختلف مناحي الحياة، وقمين بنا ان نتأمل مقتضياته في الاطار العام لتفاعلات البشر، فلو تساوت الارزاق - على سبيل المثال -، وتماثل الناس في الجاه والنفوذ، لاستغنى كل منهم عن الآخر، ولتوقف التفاعل بينهم، ولانقرضت عملية تبادل المصالح والمنافع، ولما اتخذ بعضهم بعضاً سخرياً، ولبغوا في الأرض، ولقاد كل ذلك - حتماً - إلى الاندثار والفناء. وقس على ذلك - رعاك الله - صفات الناس وهيئاتهم وقاماتهم فهي الاخرى يجب ان تختلف وتتفاوت ليكون للحياة معنى، ويصبح للوجود طعم، فلو تماثل الناس وتشابهوا في كل ذاك، لانعدمت القدرة على التمييز بينهم، ولخمدت حرارة العلاقات الشخصية، ولنتج عن كل ذلك - بالضرورة - فناء الفردية المميزة، واندثار الاحاسيس والعواطف، وتعطل العلاقات الاجتماعية والتفاعلات العائلية. اما القضية التي تهمنا هنا فهي حال (الفكر البشري) اذ لا مفر من الاختلاف فيه، والصراع حوله، والتلاقحات المتنوعة في رحابه، لكي تستمر حياة البشر مفعمة بالاحداث والتغيرات والابداعات، فلو اجمع البشر على فكر واحد لكان ذلك ايذاناً بركود الاطر الحياتية وجمود مقوماتها وانهيار اسسها، وبالتالي تتحقق شروط (الفناء الفكري). إذن لكي تستمر الحياة، وتتوالى حلقاتها، وتتعمق أسسها، فإنه لا بد للفكر أن يسري بين معط ومتلق، وبين أخذ ورد وفي بوتقة الطرد والجذب، وكان لا بد أن تلتقي الحجة بالحجة، وان يتصارع البرهان مع البرهان، وان تستمر عملية (الحوار والاختلاف) بأشكال متنوعة، وفي أطر متباينة بين البشر إلى ان تقوم الساعة. لو لم يكن (الفكر البشري) في حال من التنوع والاختلاف والتغير لانهارت معطيات حياة البشر، ولهوت في جرف سحيق من حالة (الفناء الفكري)، وهو مما لا تحتمله الطبيعة البشرية، ولا تقوى على الصمود امام خوائه وجدبه، وصدق الحق عز وجل:(ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ولكن الله ذو فضل على العالمين). (البقرة:251). وهكذا نجد ان قضية (الحوار والاختلاف) قضية جوهرية في الحياة الفكرية المفعمة بالنشاط والابداع، وعندما تتعطل لغة الحوار فإن (الفناء الفكري) هو الحتمي لانه يعني تطابق وجهات النظر، وتماثل العقول، وتساوي الافهام وبالتالي توقف النشاط الحيوي والتبادلات التفاعلية التي اقرتها السنن الكونية، وتجلت في علم (الفيزياء) في (التبادلات الحرارية) التي لو توقفت لاصبح الكون بارداً هامداً.. وصعيقاً جامداً لا حياة فيه ولا عطاء، ولتحققت ظاهرة (الموت الحراري) للكون. اذن ليس صحيحاً ان (الحوار) في حد ذاته ليس هدفاً، وليس صحيحاً انه اذا لم تنتج عن (الحوار) مباشرة آثار تنفيذية وآليات تفعيلية، فإنه لا طائل من ورائه.
من اللطائف في علم (الفيزياء) النظر إلى قوانينه ومفاهيمه ونتائجه، ثم مقارنة تلك القوانين والمفاهيم والنتائج مع ما يناظرها في الاطار العام من حياة البشر وتفاعلاتهم، ومجريات امورهم، وسيرورات احوالهم. ان لمثل تلك المقارنات، الشاحذة للذهن والمطورة للقدرات، فوائد عديدة، فاضافة إلى ما تقدمه من مادة فكرية عميقة جديرة بالتأمل والمتابعة والتحليل، فإنها - ايضا - تعمق الادراك بوحدة هذا الكون، وتجانس عناصره، وتناغم قوانينه، فيتجذر شعور الانسان بتلاحمه العضوي مع مكونات هذا الكون، وتزدهر لديه حاسة الاندماج والارتباط مع نبض الكون وسننه، ناهيك عن تلك الدفقات الايمانية الرائعة التي تدفع بها تلك المقارنات والتأملات إلى عقل الانسان وقلبه وهو يقف في خشوع امام وحدانية الخالق الذي صنع كل شيء واتقنه، وابدع تلك الوحدة الكونية المتلاحمة. ولا شك ان كل تلك التأملات الذهنية والوقفات الفكرية هي من عمليات (التدبر والتفكر) التي امرنا بها الخالق عز وجل، وهي توطد في الانسان ذلك الاحساس الفطري الحق بأنه ليس ذلك الكائن الذي جاء صدفة ليعيش عبثاً كما يزعم الملاحدة، ولكنه نتاج ارادة الهية خلاقة اتقنت كل شيء واحسنت خلقه، فينضوي الفكر والعلم تحت لواء يقود -بالضرورة - إلى الايمان بوحدانية الخالق المبدع لكل ذلك الاتقان والتجانس والتوافق والتلاحم بين عناصر الكون كلها، ومكوناته قاطبة. من المفاهيم الثابتة في (الفيزياء) مفهوم (الموت الحراري للكون)، فالحياة تعتمد في سيروراتها ومجرياتها على الطاقة الناتجة من سريان الحرارة بين الاجسام، وهذه الطاقة السارية بين الاجسام يستفاد منها في تحولات الطاقة المختلفة، وتطبيقاتها المتعددة لتجعل الحياة ممكنة، والتفاعلات الحيوية مستمرة. ولكن.. هناك مأزق في نهاية المطاف، فالطاقة الحرارية تسري من الاجسام الحارة إلى الاجسام الباردة، مما يؤدي بالضرورة إلى انخفاض درجة حرارة الاجسام الحارة وارتفاع درجة حرارة الاجسام الباردة، وهذا يعني انه مع مرور الزمن سوف تتساوى درجة حرارة جميع الاجسام في الكون، ويتوقف سريان الحرارة، وبالتالي تتوقف كل العمليات الحيوية اللازمة للحياة، مما يقود إلى (الموت الحراري) للكون. ان من لطف الله عز وجل بمخلوقاته ان كمية الحرارة المتوفرة في الكون كمية هائلة تقوم الشمس والنجوم بتزويدها، وشمسنا الموجودة في مجموعتنا (المحلية) هي التي تعتمد عليها الحياة على الارض، وهي كفيلة بتزويدنا بكميات ضخمة من الحرارة لمليارات السنوات القادمة حتى يقضي الله امراً كان مفعولاً. ان (الموت الحراري) للكون هو أحد الاحتمالات العلمية لنهاية الكون، ولكل اجل كتاب، ولله الأمر من قبل ومن بعد، وصدق الحق عز وجل:(الله الذي رفع السماوات بغير عمد ترونها ثم استوى على العرش وسخر الشمس والقمر، كل يجري لاجل مسمى، يدبر الأمر، يفصل الآيات لعلكم بلقاء ربكم توقنون) (الرعد:2). ان مفهوم (الموت الحراري) للكون هو من المفاهيم الفيزيائية الثابتة التي تحدد مسار الاحداث في الكون ومن اهم نتائجها انها تقرر ان للكون نهاية، مما يؤدي بداهة في الوقت نفسه إلى ان للكون بداية، وفي هذا دحض علمي قاطع لدعاوى الملاحدة والقائلين بأزلية الكون وقدمه، وهكذا تتهاوى مزاعم فئة (الأزليين) من الفلاسفة تحت وقع معطيات علمية ثابتة، وتسقط اوراق التوت عن عورات الملاحدة. اذن (الموت الحراري) هو فناء للحياة، فلا بد من اختلاف درجات الحرارة من موقع إلى موقع حتى تستمر التفاعلات الحيوية والانشطة الحياتية، ولو تساوت درجات الحرارة على وجه البسيطة، وبلغنا مرحلة (التعادل الحراري)، لتوقفت الحياة، وانتهت المرحلة الدنيوية للبشر. ذلك (الحال الفيزيائي) جدير منا ببعض التفكر في تبعاته في مختلف مناحي الحياة، وقمين بنا ان نتأمل مقتضياته في الاطار العام لتفاعلات البشر، فلو تساوت الارزاق - على سبيل المثال -، وتماثل الناس في الجاه والنفوذ، لاستغنى كل منهم عن الآخر، ولتوقف التفاعل بينهم، ولانقرضت عملية تبادل المصالح والمنافع، ولما اتخذ بعضهم بعضاً سخرياً، ولبغوا في الأرض، ولقاد كل ذلك - حتماً - إلى الاندثار والفناء. وقس على ذلك - رعاك الله - صفات الناس وهيئاتهم وقاماتهم فهي الاخرى يجب ان تختلف وتتفاوت ليكون للحياة معنى، ويصبح للوجود طعم، فلو تماثل الناس وتشابهوا في كل ذاك، لانعدمت القدرة على التمييز بينهم، ولخمدت حرارة العلاقات الشخصية، ولنتج عن كل ذلك - بالضرورة - فناء الفردية المميزة، واندثار الاحاسيس والعواطف، وتعطل العلاقات الاجتماعية والتفاعلات العائلية. اما القضية التي تهمنا هنا فهي حال (الفكر البشري) اذ لا مفر من الاختلاف فيه، والصراع حوله، والتلاقحات المتنوعة في رحابه، لكي تستمر حياة البشر مفعمة بالاحداث والتغيرات والابداعات، فلو اجمع البشر على فكر واحد لكان ذلك ايذاناً بركود الاطر الحياتية وجمود مقوماتها وانهيار اسسها، وبالتالي تتحقق شروط (الفناء الفكري). إذن لكي تستمر الحياة، وتتوالى حلقاتها، وتتعمق أسسها، فإنه لا بد للفكر أن يسري بين معط ومتلق، وبين أخذ ورد وفي بوتقة الطرد والجذب، وكان لا بد أن تلتقي الحجة بالحجة، وان يتصارع البرهان مع البرهان، وان تستمر عملية (الحوار والاختلاف) بأشكال متنوعة، وفي أطر متباينة بين البشر إلى ان تقوم الساعة. لو لم يكن (الفكر البشري) في حال من التنوع والاختلاف والتغير لانهارت معطيات حياة البشر، ولهوت في جرف سحيق من حالة (الفناء الفكري)، وهو مما لا تحتمله الطبيعة البشرية، ولا تقوى على الصمود امام خوائه وجدبه، وصدق الحق عز وجل:(ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ولكن الله ذو فضل على العالمين). (البقرة:251). وهكذا نجد ان قضية (الحوار والاختلاف) قضية جوهرية في الحياة الفكرية المفعمة بالنشاط والابداع، وعندما تتعطل لغة الحوار فإن (الفناء الفكري) هو الحتمي لانه يعني تطابق وجهات النظر، وتماثل العقول، وتساوي الافهام وبالتالي توقف النشاط الحيوي والتبادلات التفاعلية التي اقرتها السنن الكونية، وتجلت في علم (الفيزياء) في (التبادلات الحرارية) التي لو توقفت لاصبح الكون بارداً هامداً.. وصعيقاً جامداً لا حياة فيه ولا عطاء، ولتحققت ظاهرة (الموت الحراري) للكون. اذن ليس صحيحاً ان (الحوار) في حد ذاته ليس هدفاً، وليس صحيحاً انه اذا لم تنتج عن (الحوار) مباشرة آثار تنفيذية وآليات تفعيلية، فإنه لا طائل من ورائه.
في الذكرى المئوية لنظرية النسبية.. والاحتفاء بآينشتاين
بقلم/خالص جلبي
تحتفل أوربا هذه الأيام بالذكرى المئوية لأعظم عبقرية في القرن العشرين، واليوم تتنازع أربع دول تابعية الرجل، ولكن الرجل تبرأ من الدول والسياسة، وحينما دعي ليكون أول رئيس جمهورية لإسرائيل رفض قائلاً: السياسة زائلة والرياضيات خالدة. تعتبر النسبية من أغرب النظريات وأحفلها بالتعقيد، ولكن منها انفجرت القنبلة الذرية، وبقيت زوجة آينشتاين حتى أيامها الأخيرة، لا تفهم كثيرا مما يقوله زوجها.
وغرابة نظرية النسبية من ثلاث: قلب كل المفاهيم التقليدية، وكسر حواجز علوم لتندمج معاً، والوصول إلى معادلات في غاية الأناقة، مثل علاقة (الطاقة) بـ (المادة). ولكن النظرية النسبية لم تولد فجأة من فراغ، بل جاءت قطوف يانعة لأبحاث علماء اقتربوا من الوصول إلى عتبة هذا العالم الجديد، وأشهرهم اثنان: الهولندي هندريك انتون لورنتس والفرنسي الفيلسوف هنري بوانكاريه. فالأول لفت نظره أثناء دراسته لتصرف الإلكترون، أن المعادلات حتى يكون لها معنى، فلا بد من التلاعب بإحداثيات (الزمن). أما «بوانكاريه» الفرنسي فقد كان قاب قوسين أو أدنى من الوصول إلى النسبية، فالرجل درس أعمال «لورنتس» بدقة ليخلص إلى نتيجة تقول: إنه لا بد من «فيزياء جديدة»، ويبدو أن سرعة الضوء حاجز لا يمكن تجاوز سرعته؟!.
وينقل الكاتب الألماني يوهان جروله عن مؤرخ العلوم يورجن رين في مجلة المرآة الألمانية (عدد 3/2005 ص 135)، أن كل ما فعله آينشتاين هو أنه مد يده إلى ثمرات يانعة فقطفها، وبلغة الفيزياء أنه قفز القفزة الأخيرة، فانتقل من «الكم» إلى «النوع»، فالتراكم «الكمي» يقود إلى انقلاب «نوعي»، ودماغ الإنسان لم ينبثق منه «الوعي» لولا الكتلة الحرجة، والفرق في «المورثات» بين الإنسان والشمبانزي لا تزيد عن 1%، ولكن عند حافتها يتحدد مصير الكائن، فإما خرج بشرا سويا أو قردة خاسئين. وآينشتاين كان رجلاً مغمورا يبحث عن وظيفة مساعد في زيوريخ، ولكن سنة العجائب رفعته إلى قمة الشهرة فتخاطفته الجامعات، كما حصل مع سفينتي بيبو الكوبي، الذي وصل إلى علم «أحفورات الجينات Paleogenetic»، ومن أفكاره ظهر فيلم جوراسيك بارك، وكما حصل مع الفيلسوف أيمانويل كانط، الذي دفع وهو على حافة الستين أجمل إنتاجه في وقت متقارب وجون لوك، الذي دفع في سنة واحدة ثلاثة كتب منها ليصبح خالداً في علم الاجتماع السياسي. وابن خلدون حصل معه هذا في كتابه المقدمة التي وصفها بـ «الحكم القريبة المحجوبة»; فلم تأت أفكار ابن خلدون من فراغ، بل كانت ثمرة تخمر طويلة قطفها ابن خلدون، فغيره زرع وهو قطف الثمرة. ليعتبرها المؤرخ البريطاني توينبي «أعظم عمل من نوعه، أنتجه أي عقل في أي زمان ومكان». مع هذا فهناك شكوك تحوم حول النظرية النسبية، فقد تقدم ادوارد ويتكر قبل موت آينشتاين بمراجعة شاملة للنظرية، ليصل إلى القول إن فكرة الزمان ـ المكان هامشية جداً. وقد عرضت قناة «ديسكفري» برنامجاً عن العالم «نيمتس» من كولن في ألمانيا، أنه توصل إلى ما هو أسرع من الضوء خمس مرات، وهذا ينقض حجر الأساس في نظرية النسبية، التي اعتبرت سرعة الضوء ثابتة، وأن كل تجاوز له يخلق استحالة رباعية: استهلاك طاقة لانهائية، وزيادة الكتلة إلى اللانهاية، وانضغاط الطول إلى الصفر، فلا تبقى أبعاد ثلاثية للموجودات، ويتوقف الزمن. وهذه طبيعة العلم أنه ينمو بالحذف والإضافة.
ويبقى السؤال، لماذا آينشتاين تحديدا، هو الذي يكتب الله على يديه هذا الفتح المبين؟ والجواب يأتي من عدة أمور: أولها طبيعة هذا الرجل السيكولوجية، الذي كان يعيش طفولة دائمة لا تنقطع، ويحب العزلة، ولم يأت الوحي للرسول لولا غار حراء.
وأهم ما فعله آينشتاين حين حافظ على هذه الروح، أنه طرق أبوابا (مسلمات)، اعتبرها العلماء مفروغاً منها فوضعها تحت المساءلة، وهذا الذي يحرك التاريخ. وفي يوم قتلت الكنيسة الناس على آرائهم في حركة الشمس والأرض واعتبرت أنه معلوم من الدين بالضرورة، ولم يزيد عن أوهام.
وسن العبقرية حسب دين كيث سايمنتون صاحب كتاب «العبقرية والقيادة والإبداع»، هي بين العشرين والثلاثين فـ«نيلز بور»، قدم نموذجه عن الذرة وعمره 28 سنة، وطرح آينشتاين في سنة واحدة، خمس أفكار ضخمة وعمره 25 سنة، ووصل بول ديراك إلى معادلة الإلكترون السلبي (البوزترون) وعمره 24 سنة، وكانت حلقة فيرنر هايزنبرغ العلمية، التي وصلت إلى مبدأ «اللايقين» في ميكانيكا الكم تعتبر أن من تخطى عمر الثلاثين هرم وشاخ ولم يعد ينفع؟
والمهم في هذه العبقريات دخول شخص من خارج الحقل، وهو ما فعله آينشتاين، وكان من قبل متمردا في عين أساتذته، جعلهم يرسلون له «لفت نظر» لأنه طالب «غير نشيط»؟. ولم يحمل الرجل دكتوراه أو شهادة جامعية، وحار به الأمر كيف يطعم عائلته، حتى أعلن عن نفسه في جريدة «زيوريخ» معلما خصوصيا؟
وهكذا فالحاجة كانت ملحة لمجيء آينشتاين حتى يقفز فوق حواجز (عمى الاختصاص)، التي تشفط صاحبها بأشد من ثقب أسود. ولعل جلوسه في مكتب الاختراعات في (بيرن Bern) في سويسرا، فتح عينيه على الإبداعات التي مرت من تحت يديه، فنظر نظرة من علو، ففهم علل الكون الكبرى مثل معضلة الزمن، واليوم نعرف أن الزمن، مفكك الأوصال في الكون يتدفق بسرعة مختلفة من مكان لآخر، حسب السرعة والكتلة. فيتوقف الزمن مع: «سرعة الضوء» و«ضخامة الكتلة»، وهو يقرب إلى أذهاننا مفهوم الخلود فلا يفترسنا الموت أو تعضنا الشيخوخة. وحين يصف القرآن الجنة «عرضها السموات والأرض»، فهو ومن خلال «النسبية العامة» يقرب لنا مفهوم توقف الزمن في كتلة لا نهائية.
ونحن نحاول اكتشاف العلم والإيمان أنهما وجهان لعملة واحدة، كما اكتشف آينشتاين الطاقة والمادة في معادلة واحدة، وحين يمكن تحويل العلم إلى إيمان وبالعكس فلسوف تتوقف حرب ضارية.
وجاءت الدلائل على صدق النسبية من عدة مصادر: زيادة الكتلة في مسرعات الجزيئات دون الذرية، وانحراف نور النجوم في كسوف الشمس عام 1919 وحضيض عطارد، ثم انفجار القنبلة النووية التي مسحت مدينتي هيروشيما وناغازاكي.
مع هذا فإن مفهوم الأيثر الذي ألغاه آينشتاين يوماً، عاد حياً الآن، ويعتبر العلماء اليوم أن ما بين النجوم ليس الإيثر، بل «الطاقة السوداء» ولا يستطيع أحد أن يقول مم تتكون؟
يقول آينشتاين عن الحقيقة «أن اكتشافها مرة واحدة غير كاف، فهي تشبه تمثال الرخام المنتصب وسط الصحراء تعصف به ريح فيها صر، مهدد بالدفن كل لحظة بعواصف الرمل. وما يحافظ على التماعه تحت ضوء الشمس، هي تلك الأيادي النشيطة الدؤوبة، التي تنفض عنه الغبار باستمرار». حيرت عبقرية آينشتاين الكثيرين، وعندما مات سلم جسمه وديعة للدكتور توماس شتولتز هارفي رئيس قسم تشريح المرضي في جامعة برنستون، فقام بقص الجمجمة، واستخرج دماغ آينشتاين لمعرفة مكان العبقرية، فلم يزد عن 1200 غرام، وقام بتقطيع الدماغ إلى 240 شريحة وأرسلها إلى أهم مختبرات العالم في كندا وفنزويلا والصين، وكانت النتيجة أن دماغ آينشتاين لا يختلف عن دماغ أي أهبل في مصح أمراض عقلية. كل ذلك لأن البحث كان كما يقال في علم الكمبيوتر في «الهاردوير Hard Ware»، وليس البرامج (السوفت ويرSoft Ware).
وقال المتصوفة قديما:
دفن الجسم بالثرى
ليس بالجسم منتــفع
إنما النفع بالــــذي
كان بالجسم وارتفع
أصله معدن نفيس
وإلى أصله قد رجع
تحتفل أوربا هذه الأيام بالذكرى المئوية لأعظم عبقرية في القرن العشرين، واليوم تتنازع أربع دول تابعية الرجل، ولكن الرجل تبرأ من الدول والسياسة، وحينما دعي ليكون أول رئيس جمهورية لإسرائيل رفض قائلاً: السياسة زائلة والرياضيات خالدة. تعتبر النسبية من أغرب النظريات وأحفلها بالتعقيد، ولكن منها انفجرت القنبلة الذرية، وبقيت زوجة آينشتاين حتى أيامها الأخيرة، لا تفهم كثيرا مما يقوله زوجها.
وغرابة نظرية النسبية من ثلاث: قلب كل المفاهيم التقليدية، وكسر حواجز علوم لتندمج معاً، والوصول إلى معادلات في غاية الأناقة، مثل علاقة (الطاقة) بـ (المادة). ولكن النظرية النسبية لم تولد فجأة من فراغ، بل جاءت قطوف يانعة لأبحاث علماء اقتربوا من الوصول إلى عتبة هذا العالم الجديد، وأشهرهم اثنان: الهولندي هندريك انتون لورنتس والفرنسي الفيلسوف هنري بوانكاريه. فالأول لفت نظره أثناء دراسته لتصرف الإلكترون، أن المعادلات حتى يكون لها معنى، فلا بد من التلاعب بإحداثيات (الزمن). أما «بوانكاريه» الفرنسي فقد كان قاب قوسين أو أدنى من الوصول إلى النسبية، فالرجل درس أعمال «لورنتس» بدقة ليخلص إلى نتيجة تقول: إنه لا بد من «فيزياء جديدة»، ويبدو أن سرعة الضوء حاجز لا يمكن تجاوز سرعته؟!.
وينقل الكاتب الألماني يوهان جروله عن مؤرخ العلوم يورجن رين في مجلة المرآة الألمانية (عدد 3/2005 ص 135)، أن كل ما فعله آينشتاين هو أنه مد يده إلى ثمرات يانعة فقطفها، وبلغة الفيزياء أنه قفز القفزة الأخيرة، فانتقل من «الكم» إلى «النوع»، فالتراكم «الكمي» يقود إلى انقلاب «نوعي»، ودماغ الإنسان لم ينبثق منه «الوعي» لولا الكتلة الحرجة، والفرق في «المورثات» بين الإنسان والشمبانزي لا تزيد عن 1%، ولكن عند حافتها يتحدد مصير الكائن، فإما خرج بشرا سويا أو قردة خاسئين. وآينشتاين كان رجلاً مغمورا يبحث عن وظيفة مساعد في زيوريخ، ولكن سنة العجائب رفعته إلى قمة الشهرة فتخاطفته الجامعات، كما حصل مع سفينتي بيبو الكوبي، الذي وصل إلى علم «أحفورات الجينات Paleogenetic»، ومن أفكاره ظهر فيلم جوراسيك بارك، وكما حصل مع الفيلسوف أيمانويل كانط، الذي دفع وهو على حافة الستين أجمل إنتاجه في وقت متقارب وجون لوك، الذي دفع في سنة واحدة ثلاثة كتب منها ليصبح خالداً في علم الاجتماع السياسي. وابن خلدون حصل معه هذا في كتابه المقدمة التي وصفها بـ «الحكم القريبة المحجوبة»; فلم تأت أفكار ابن خلدون من فراغ، بل كانت ثمرة تخمر طويلة قطفها ابن خلدون، فغيره زرع وهو قطف الثمرة. ليعتبرها المؤرخ البريطاني توينبي «أعظم عمل من نوعه، أنتجه أي عقل في أي زمان ومكان». مع هذا فهناك شكوك تحوم حول النظرية النسبية، فقد تقدم ادوارد ويتكر قبل موت آينشتاين بمراجعة شاملة للنظرية، ليصل إلى القول إن فكرة الزمان ـ المكان هامشية جداً. وقد عرضت قناة «ديسكفري» برنامجاً عن العالم «نيمتس» من كولن في ألمانيا، أنه توصل إلى ما هو أسرع من الضوء خمس مرات، وهذا ينقض حجر الأساس في نظرية النسبية، التي اعتبرت سرعة الضوء ثابتة، وأن كل تجاوز له يخلق استحالة رباعية: استهلاك طاقة لانهائية، وزيادة الكتلة إلى اللانهاية، وانضغاط الطول إلى الصفر، فلا تبقى أبعاد ثلاثية للموجودات، ويتوقف الزمن. وهذه طبيعة العلم أنه ينمو بالحذف والإضافة.
ويبقى السؤال، لماذا آينشتاين تحديدا، هو الذي يكتب الله على يديه هذا الفتح المبين؟ والجواب يأتي من عدة أمور: أولها طبيعة هذا الرجل السيكولوجية، الذي كان يعيش طفولة دائمة لا تنقطع، ويحب العزلة، ولم يأت الوحي للرسول لولا غار حراء.
وأهم ما فعله آينشتاين حين حافظ على هذه الروح، أنه طرق أبوابا (مسلمات)، اعتبرها العلماء مفروغاً منها فوضعها تحت المساءلة، وهذا الذي يحرك التاريخ. وفي يوم قتلت الكنيسة الناس على آرائهم في حركة الشمس والأرض واعتبرت أنه معلوم من الدين بالضرورة، ولم يزيد عن أوهام.
وسن العبقرية حسب دين كيث سايمنتون صاحب كتاب «العبقرية والقيادة والإبداع»، هي بين العشرين والثلاثين فـ«نيلز بور»، قدم نموذجه عن الذرة وعمره 28 سنة، وطرح آينشتاين في سنة واحدة، خمس أفكار ضخمة وعمره 25 سنة، ووصل بول ديراك إلى معادلة الإلكترون السلبي (البوزترون) وعمره 24 سنة، وكانت حلقة فيرنر هايزنبرغ العلمية، التي وصلت إلى مبدأ «اللايقين» في ميكانيكا الكم تعتبر أن من تخطى عمر الثلاثين هرم وشاخ ولم يعد ينفع؟
والمهم في هذه العبقريات دخول شخص من خارج الحقل، وهو ما فعله آينشتاين، وكان من قبل متمردا في عين أساتذته، جعلهم يرسلون له «لفت نظر» لأنه طالب «غير نشيط»؟. ولم يحمل الرجل دكتوراه أو شهادة جامعية، وحار به الأمر كيف يطعم عائلته، حتى أعلن عن نفسه في جريدة «زيوريخ» معلما خصوصيا؟
وهكذا فالحاجة كانت ملحة لمجيء آينشتاين حتى يقفز فوق حواجز (عمى الاختصاص)، التي تشفط صاحبها بأشد من ثقب أسود. ولعل جلوسه في مكتب الاختراعات في (بيرن Bern) في سويسرا، فتح عينيه على الإبداعات التي مرت من تحت يديه، فنظر نظرة من علو، ففهم علل الكون الكبرى مثل معضلة الزمن، واليوم نعرف أن الزمن، مفكك الأوصال في الكون يتدفق بسرعة مختلفة من مكان لآخر، حسب السرعة والكتلة. فيتوقف الزمن مع: «سرعة الضوء» و«ضخامة الكتلة»، وهو يقرب إلى أذهاننا مفهوم الخلود فلا يفترسنا الموت أو تعضنا الشيخوخة. وحين يصف القرآن الجنة «عرضها السموات والأرض»، فهو ومن خلال «النسبية العامة» يقرب لنا مفهوم توقف الزمن في كتلة لا نهائية.
ونحن نحاول اكتشاف العلم والإيمان أنهما وجهان لعملة واحدة، كما اكتشف آينشتاين الطاقة والمادة في معادلة واحدة، وحين يمكن تحويل العلم إلى إيمان وبالعكس فلسوف تتوقف حرب ضارية.
وجاءت الدلائل على صدق النسبية من عدة مصادر: زيادة الكتلة في مسرعات الجزيئات دون الذرية، وانحراف نور النجوم في كسوف الشمس عام 1919 وحضيض عطارد، ثم انفجار القنبلة النووية التي مسحت مدينتي هيروشيما وناغازاكي.
مع هذا فإن مفهوم الأيثر الذي ألغاه آينشتاين يوماً، عاد حياً الآن، ويعتبر العلماء اليوم أن ما بين النجوم ليس الإيثر، بل «الطاقة السوداء» ولا يستطيع أحد أن يقول مم تتكون؟
يقول آينشتاين عن الحقيقة «أن اكتشافها مرة واحدة غير كاف، فهي تشبه تمثال الرخام المنتصب وسط الصحراء تعصف به ريح فيها صر، مهدد بالدفن كل لحظة بعواصف الرمل. وما يحافظ على التماعه تحت ضوء الشمس، هي تلك الأيادي النشيطة الدؤوبة، التي تنفض عنه الغبار باستمرار». حيرت عبقرية آينشتاين الكثيرين، وعندما مات سلم جسمه وديعة للدكتور توماس شتولتز هارفي رئيس قسم تشريح المرضي في جامعة برنستون، فقام بقص الجمجمة، واستخرج دماغ آينشتاين لمعرفة مكان العبقرية، فلم يزد عن 1200 غرام، وقام بتقطيع الدماغ إلى 240 شريحة وأرسلها إلى أهم مختبرات العالم في كندا وفنزويلا والصين، وكانت النتيجة أن دماغ آينشتاين لا يختلف عن دماغ أي أهبل في مصح أمراض عقلية. كل ذلك لأن البحث كان كما يقال في علم الكمبيوتر في «الهاردوير Hard Ware»، وليس البرامج (السوفت ويرSoft Ware).
وقال المتصوفة قديما:
دفن الجسم بالثرى
ليس بالجسم منتــفع
إنما النفع بالــــذي
كان بالجسم وارتفع
أصله معدن نفيس
وإلى أصله قد رجع
علاج الإخفاق.. ودافعيّةُ النجاح
سامح جاد
البشر توّاقون إلى النجاح والإنجاز في حياتهم الشخصية والعملية ليس على مستوى المؤسسات والشركات وحسب، بل على مستوى الدول أيضاً، ولكن النجاح الدائم حلم صعب المنال؛ لأن الإنسان جُبِل على المحاولة والخطأ والإخفاق أحيانًا، والإخفاق ليس رذيلة -كما يعتقد الكثيرون- ما لم يكن المحطة الأخيرة في التجارب التي يمر بها الأفراد والمؤسسات، بل يصبح الإخفاق فضيلة حين يكون دافعًا للنجاح، وسلمًا للصعود والنهوض والدفع باتجاه الأفضل وتحقيق الأهداف.
والإخفاق في أبسط دلالاته يعني الإخفاق في تحقيق أو إنجاز أهداف محددة مسبقًا، وهو يصيب الإنسان في حياته أو عمله أو دراسته أو في إدارته، ودائمًا ما يثير الإخفاق لدى الناس الخوف والإحباط نظرًا لارتباطه بالعقاب الذي يتدرج من التوبيخ والازدراء إلى العقوبات الماديّة والمعنويّة (الخصم أو الضرب أو الفصل .. الخ) من جانب الآخرين، لكن الخوف من الإخفاق والشعور الدائم بالذنب والتخلي عن مهارة المحاولة والخطأ هو الإخفاق بعينه، ونحن نحاول أن نضع أيدينا على دافعيّة النجاح داخل الفرد التي تمكنه من تحويل الإخفاق إلى نجاح.
أسباب الإخفاق ومظاهره
بطبيعة الحال لا نستطيع أن نتجنب الإخفاق تمامًا، ولكن عندما نعلم أسباب الإخفاق عندئذ يمكننا علاج تلك الأسباب، وتحويل هذا الإخفاق إلى نجاح، وقد حدّد علماء النفس وخبراء الإدارة أسبابًا كثيرة للإخفاق منها: ما يتعلق بالفرد نفسه من ضعف الهمة وقلة الخبرة، وتعجُّل النتائج والتسرع بالإضافة إلى نقص القدرات والنمطية والخوف المرضي من الإخفاق وعدم الثقة بالنفس؛ إذ يقع الإخفاق بلا شك حين يحدّث المرء نفسه بأن قدراته ووقته وخبرته لن تمكنه من النجاح؛ فيقول الإنسان: (لن أستطيع أن أفعل .. سوف يعوقني أمر ما.. لن يسمح الوقت لي .. إذا أخفقت سيعاقبني رؤسائي.....الخ).
من أسباب الإخفاق كذلك ما يتعلق بالأهداف ذاتها؛ كأن تكون الأهداف مثلاً مشوشة وغير محددة، أو تكون غير واقعية كأن تضع إدارة مؤسسة ما هدفًا لإنجاز مشروع ما خلال (6) أشهر في حين أن الوقت اللازم لإنجاز هذا المشروع (10) أشهر مثلاً، كذلك يقع الإخفاق عندما تكون الأهداف روتينية لا ترتبط بالإثابة والتحفيز.
ومن أسباب الإخفاق ما يرتبط بالجماعات وبالقائمين على الإدارة أنفسهم، وهنا يبرز أحد أهم أسباب الإخفاق وهو النزاع وكثرة الخلافات، وهنا يحذرنا ديننا الحنيف من النزاع الذي يؤدي للإخفاق (وأطيعوا الله ورسوله ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم .. ) [الأنفال: 46].
كما تخفق الإدارة عندما تتعدّد وتتضارب الأوامر والتوجيهات الصادرة للأفراد أو عند تعدّد القيادات للعمل الواحد، وتخفق الإدارة حين ينقصها المنهج والتخطيط العلميان، وحين تسند الأمور إلى غير أهلها.
منهج علاج الإخفاق
للنجاح طريق واحد، وللإخفاق أبواب عدة، فمن السهل أن نجد ذرائع كثيرة نرجع إليها الإخفاق، لكن من الصعب حقًا هو أن نفسر لماذا ننجح؟!.. فهل ننجح عندما نضع أهدافاً واضحة ومحددة، ونسلك درب الاجتهاد والجد والمثابرة للوصول لهذه الأهداف عبر خطط علمية مدروسة؟ أم النجاح رهن بالإدارة الجيدة؟ أم أن النجاح منهج شامل يأتي محصلة لأسباب كثيرة؟
وهذا هو الفارق بين النجاح والإخفاق.. فحين تسأل شخصًا لماذا أخفقت؟ لا تعييه الإجابة (لم أذاكر.. لا أعرف .. نسيت أن أفعل.. لم يحالفني الحظ .. أخطأت التقدير......الخ) ولكن المنهج السليم لتحويل الإخفاق إلى نجاح يأتي بالمحاسبة والمراجعة لجوانب التقصير وتلافيها، وما يمكن أن نسميه \"المنهج التحويلي\" أي تحويل الإخفاق إلى نجاح، والذي يستلزم بدوره عدداً من المهارات لإحداث هذا التحويل لعل أبرزها الثقة بالنفس، والمعرفة الجيدة بالقدرات والسّمات الشخصية أي أن يعرف المرء ماذا يميزه عن الآخرين، فليس الأذكياء والعباقرة فقط هم من يصنعون النجاح، ولكن كل منها عبقريّ في إطار ما يملك من مقوّمات للإنجاز وقدرات خلاّقة، ومن مهارات المنهج التحويلي أيضًا التعلّم من خبرات الآخرين والقراءة الجيدة لتجارب الناجحين،، وفيما يتعلّق بالعمل الجماعي فتحويل الإخفاق لنجاح يتطلب التوزيع الجيد للأدوار، والمراجعة المستمرة للخطط التي تضعها الإدارة، وإعادة رسم الأهداف، وترك مساحة للأفراد من المحاولة للخطأ، بحيث تبرز مهارات الإبداع والابتكار، وتكون الإدارة قادرة على نزع الخوف من الإخفاق من نفوس العمال أو الموظفين، والإدارة تستطيع أن تصنع من إخفاق أحد عناصرها نجاحًا عندما لا تقتصر الإثابة والتحفيز على من ينفذون أعمالهم بشكل آلي روتيني خال من الإبداع، بل عليها أيضًا إثابة من يمكنهم التحوّل من الإخفاق إلى النجاح وتجاوز الإخفاق.
صُنّاع النجاح
إن تجاوز الإخفاق عبر جسر النجاح يصنعه أصحاب الإرادة القوية، وهم من نصفهم بـ \"صُنّاع النجاح\" فإذا كان الإخفاق يمثل خطوة إلى الوراء؛ فإن تحويل الإخفاق إلى نجاح يمثل خطوات للأمام تدفع صاحبها لمزيد من الإنجاز.
ولعل ما يستدعي منا النظرة العميقة والتحليل أن غالبية النجاحات العظيمة تنطلق من حالة من الإخفاق، وعلى سبيل المثال فإن البطالة هي شكل من أشكال الإخفاق، ولكن بالدراسة وإيجاد الحلول المبتكرة تتحول هذه المشكلة لطاقات متفجرة بقصص عديدة من النجاح، وهو ما حدث ويحدث في الصين التي سخّرت طاقاتها لخدمة المشروعات الصغيرة والمتوسطة التي تتيح للشباب فرص العمل، والنجاح يدفع لمزيد من النجاح، وإذا كانت هذه تجارب الآخرين فالسيرة النبوية وسيرة السلف الصالح تحوي العديد من التجارب التي حوّلت الإخفاق إلى نجاح؛ ففي غزوة حنين عندما قارب المسلمون على الهزيمة بعد أن غرّتهم كثرتهم (لأن الغرور هو أحد بواعث الإخفاق).
ثبت النبي أمام أعداء الله، فنزل النبي، واحتمى به الصحابة، ودعا واستنصر، وهو يقول: (أنا النبي لا كذب. أنا ابن عبد المطلب. اللهم نزّل نصرك)، فثبت المسلمون وحوّلوا الهزيمة إلى نصر والإخفاق إلى نجاح، ويذكر القرآن الكريم هذه القصة في سورة التوبة (لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُوداً لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ) [التوبة:25-26].
وداعًا للإخفاق
دافعية النجاح هي أهم سلاح لمواجهة الإخفاق، فعلى الأفراد أن ينمو داخلهم دافع النجاح والتفاؤل، ويدعّموه بمزيد من العمل والاجتهاد والتخطيط والمثابرة، وكذلك على الإدارة في مختلف المؤسسات أن تدعم داخل موظفيها أو عمالها دافع النجاح، والإدارة الناجحة تصنع من الإخفاق نجاحًا بتغيير إستراتيجياتها وسياساتها، وبداية التخلص من الإخفاق هو الاعتراف به كعثرة في طريق النجاح، ومن ثم دراسة أسبابه ومعالجتها وليس الهروب أو الاستسلام للإخفاق.
وعلينا أن نعي جيدًا أن جميعنا قد يخفق في شيء ما، أو في مرحلة من مراحل حياته، ولكن يمكننا أن نتعلم من هذا الإخفاق ونتعامل معه، وأن نعتبر الإخفاق حلقة في سلسلة النجاح، وكما تقول الحكمة: \"راحت السكرة وجاءت الفكرة\"، فعلينا أن نخرج من سكرة الإخفاق و الإحباط إلى الفكرة التي تصنع النجاح، وإذا استطعت أن تجيب عن السؤال: لماذا أخفقت؟ فستكون الإجابة أكثر يسراً عندما تسأل: كيف أنجح؟ فمن ذاق مرارة الإخفاق هو أدرى –بالطبع- بطعم النجاح، ومن يتعلم من أخطائه فسيقول \"وداعًا للإخفاق\"!!
مصدر الموضوع سلسلة مقالات عن صناعة الحياة والتنمية البشرية - منتديات الهندسة نت http://www.alhandasa.net/forum/showthread.php?t=134665#ixzz1yza36gxM
الإيجابية.... وصناعة الحياة
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد صلى الله عليه واله وصحبه اجمعين
إخوتي في الله ، أحببت أن أنقل لكم هذه السلسلة من بعض المقالات المتخصصة في الإدارة كي تكون زادا لكل من يريد التفوق والنجاح في حياته الشخصية أو الأسرية أو في صناعة نهضة الأمة ، عسى أن تكون فيها نفعا للجميع إن شاء الله ، فتابعونا على هذه الصفحة ، ولا تنسونا من صالح دعائكم
الإيجابية.... وصناعة الحياة
بقلم محمد مصطفى
أثار برنامج (صنَّاع الحياة) للداعية الشاب \"عمرو خالد\" الكثيرَ من الخواطر داخل النفوس حول سلوك نفتقده في وقتنا الراهن، وهو سلوك (الإيجابية) الذي قلَّ وعزَّ في أيامنا تلك؛ حيث إن هذا السلوك له أهمية كبيرة في إنماء وتطوير المجتمعات وتفعيلها، وبدونه تُصاب الحياة بالخمول والركود؛ حيث إن مردود (الإيجابية) له تأثير مزدوج بالخير على الفرد المجتمع، فالشخصيات الناجحة هي التي تتَّسم بـالإيجابية .
الإيجابية... بين الفرد والمجتمع
والإيجابية لها شِقَّان:
الأول: وهو إيجابية الفرد نحو نفسه، والتي تشتمل على تطوير نفسه وتحديثها .
الثاني: يتمثل في تفاعل الفرد مع أفراد وقضايا مجتمعه ومشاركته في صنع الأحداث .
وفي كِلا الأمرين خيرٌ، فروح المبادرة قائدة ودليل إلى النجاح والتفوق، والحياة مليئة بفرص الخير، ومجالات التقدم كثيرة؛ ولكن يقلُّ من يتقدَّم لنيل المبادرة وقصب السبق، ونحن متفاوتون في طريقة استقبالنا لمثل هذه الفرص، فهناك الكَسول اللامبالي الذي لا تهزُّه الفرص، ذلك أن الكثيرين ترِد على أذهانهم أفكار جيدة، وتتوافر لهم ظروف مناسبة للإنجاز والتقدُّم، لكن عوائق نفسية تقعد بهم عن الاندفاع والمبادرة، بينما يفوز بها الشجعان المبادرون .
فالمبادرة هي عنوان النجاح، وهي طريق التقدم، وسلاح اغتنام الفرص، واستثمار الظروف.. والفرد المبادر الإيجابي يحقق الإنجازات، ويحظى بالمكاسب، وقد قيل: \"ويفوز باللَّذات كلُّ مغامرٍ\"، وكذلك المجتمع الذي يتحلَّى بهذه الصفة فإنه يتمتع بالحيوية، ويطوِّر واقعَه إلى الأفضل بشكلٍ دائمٍ مستمرٍ .
الإيجابية... مطلب إسلامي
والقرآن الكريم به الكثير من الآيات التي توجِّه إلى التمسك والتحلي بهذا السلوك والتمسك بهذه القيمة؛ ولأهمية هذه الصفة في حياة الفرد والمجتمع تحدث عنها القرآن الكريم في آيات عديدة، وبأكثر من تعبير، فقد ورد الحديث عن المبادرة في بعض الآيات بلفظ المسارعة، يقول تعالى : {وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ } [ آل عمران من الآية:114 ] .
ويقول تعالى : { إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ } [ الأنبياء من الآية:90 ] ، ويقول تعالى : { وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدِّتْ لِلْمُتَّقِينَ } [ آل عمران : 133 ] .
ونلحظ في الآيات الكريمة توجيه الخطاب إلى الجميع وليس إلى الفرد فقط؛ لأن المطلوب أن تكون هذه الصفة سمةً للمجتمع كله في مسيرته ومواقفه، وأن تكون السمة الغالبة للمجتمعات التي تبغي الرفعة والنهوض، وبالفعل لا يتساوى مَن كان له السبق مع من تخلف عنه، فالريادة والأسبقية شرفٌ لا يناله إلا الأوائل الذين اقتحموا مجالات لم يقتحمها أحد قبلهم، وحقَّق من الإنجازات ما لم يحققها أحد من قبله، فبالتالي قد فتح بابًا جديدًا، واقتحم مجالاتٍ لم يدخلْها أحدٌ قبلَه، والقرآن الكريم تحدث عن فئةٍ قامت بعملِ ما لم يصنعه أحد من قبلهم؛ ولذلك كان أجرهم مضاعفًا، ولم يتساوَوا في ذلك مع مَن صنعوا نفس الصنيع؛ لكنهم في مرحلة لاحقة عليهم، فبقوا هم الأوائل والمتقدمون والسابقون؛ لذلك يستحق الأوائل السابقون في ساحات الخير كلَّ تقدير وإعزاز.. وفي القرآن إشادةٌ كبيرةٌ بكل مَن كان له الأسبقية في فعل الخير وخدمة المسلمين؛ حيث يقول تعالى : { وَالسَّابِقُونَ الأوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأنْصَارِ } [ التوبة: من الآية 100 ] .
والإشادة هنا لا تنسحب فقط على حادثة الهجرة؛ ولكن تدل على كلِّ عملٍ يكون صاحبه سابقًا وأولَ في فعل الخير، والكثير من الآيات يحثُّ فيها الله تعالى على المسابقة، وأن يكون المسلم أسرع وأسبق الناس إلى فعل الخير والدلالة عليه : { لاَ يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِن بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلاً وَعَدَ اللهُ الْحُسْنَى } [ الحديد: من الآية10 ] ، وكما يقول أيضًا : { قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ } [ الأنعام: من الآية15] .
والنبي- صلى الله عليه واله وسلم- لنا فيه القدوة والأُسوة، فالمُتابع لسيرته العطرة من قبل البعثة حتى وفاته- صلى الله عليه وسلم- يجد أن حياته- صلى الله عليه وسلم- مليئةٌ بالمواقف التي تشير إلى إيجابيته وتفاعله مع الأحداث المحيطة به، ومثال ذلك حينما كان- صلى الله عليه وسلم - مارًّا عند الكعبة ووجد القوم يختلفون فيما بينهم على مَن يَضَع الحجر في موضعه في الكعبة، فلم يتركهم ويقول: وما شأني؟! بل أشار عليهم بالرأي السديد، وشارك معهم في حلِّ هذا الخلاف، وبعد البعثة - ورغم عداء \"أبو جهل\" للنبي صلى الله عليه وسلم- جاءه أعرابي يشتكي إليه من أن \"أبو جهل\" قد أخذ ماله ولا يريد ردَّه إليه تقدَّم النبي- صلى الله عليه وسلم- ودون تردد أو خوف، وطلب من \"أبو جهل\" بكل عزم أن يعطي الرجل حقه، وبالفعل أعطى \"أبو جهل\" الرجل ماله، وحين سُئل عن سبب اضطرابه من مطالبة النبي له بمال الرجل قال: \"لقد خُيِّلَ لي أن أسدًا أراد أن يلتهمني حينما دخل عليَّ محمدٌ \" .
كما أن الأحاديث النبوية تحثنا على هذه القيمة العظيمة، فيقول- صلى الله عليه وسلم : ( إذَا قَامَتْ السَّاعَةُ وَفِي يَدِ أحَدِكُمْ فَسِيلَةٌ فَلْيَغْرِسْهَا ) ، عليك أفضل الصلاة والسلام يا سيدي يا رسول الله، هل ترون إيجابيةً أكثر وأعظم من ذالك؟! وقوله- صلى الله عليه وسلم : ( مَثَلُ القَائِمِ عَلَى حُدُودِ اللهِ وَالْوَاقِعِ فِيهَا كَمَثَلِ قَوْمٍ اسْتَهَمُوا عَلَى سَفِينَةٍ، بَعْضُهُمْ أَعْلاهَا وَبَعْضُهُمْ أسْفَلَهَا، وَكَانَ الَّذِينَ فِي أسْفَلِهَا إِذَا اسْتَقَوْا مِنْ المَاءِ مَرُّوا عَلَى مَنْ فَوْقَهُمْ، فَقَالُوا: لَوْ أنَّا خَرَقْنَا فِي نَصِيبِنَا خَرْقًا وَلَمْ نُؤْذِ مَنْ فَوْقَنَا! فَإنْ تَرَكُوهُمْ وَمَا أرَادُوا هَلَكُوا، وَهَلَكُوا جَمِيعًا، وَإِنْ أَخَذُوا عَلَى أيْدِيهِمْ نَجَوْا، وَنَجُوا جَمِيعًا ) رواه البخاري .
طريقنا إلى الإيجابية
وهناك الكثير من العوامل التي تساعد على تنمية ( الإيجابية ) ، وروح المبادرة داخل النفوس، والتي تساهم بصورة كبيرة في خلق شخصية إيجابية مِقْدَامَة، وهذه العوامل كالتالي:
1- الوعي والمعرفة
فالمتابعة الدائمة للمجالات المختلفة تساعد الفرد على استكشاف أبعاد كثيرة من الممكن أن تكون غائبة عنه، فيساعده هذا الوعي على استكشاف فرص جديدة، ومنافذ تكون في كثير من الأحيان مبهمةً له؛ مما يساعده على اقتحامها .
2- الثقة بالنفس
الكثير منا يُضَيِّع على نفسه فرصًا للانطلاق وفعل الخير؛ سواء كان هذا الخير لنفسه أو للغير؛ نتيجة لتشككهم في قدراتهم وتقليلاً من شأنهم، ويتساءلون دائمًا إذا كانت تلك الفكرة سليمةً فلماذا لم يدركها فلان وفلان؟! الإيجابي عكس ذلك، فثقته بنفسه تدفعه دائمًا لاقتحام العوائق، وتخطي الصِّعاب .
3- القابلية للاقتحام والمغامرة
دون اندفاع وتهوّر، مع تقدير الأمور بمقاديرها، وهذه الرغبة في الاقتحام والمغامرة تدفع الفرد إلى اكتشاف آفاق جديدة للحياة، وتساهم في إنماء حصيلةِ الفرد من الحلول، فلا يقف عند عائق متعثرًا ساخطًا؛ ولكنه يمتلك حلولاً بديلةً؛ نتيجة لاحتكاكه المستمر، وخوضِه الكثير من المغامرات التي أثقلت التجربة لديه.
وكما نختلف كأفراد في إيجابيتنا نحو الأحداث المحيطة، كذلك تختلف المجتمعات، هناك مجتمعات خاملة كسولة في تعاملها مع الأحداث، كما في الأفراد تمامًا، فالمجتمعات التي يتميز أفرادها بـ(الإيجابية) وروح المبادرة نجدها أكثر تقدمًا وتطورًا من مثيلاتها التي يفتقد أصحابها لهذه الشيمة، فـ(الإيجابية) كما قيل هي طريق النماء والازدهار، الكثير والكثير من الشخصيات الناجحة حولنا لو تتبعنا قصص نجاحها نجد أن روح المبادرة لعبت دورًا أساسًا في بلوغ هذه الشخصيات ما وصلت إليه من مجدِ وفخرٍ، فلم يقف أمامهم عائق أو حاجز يعيق بينهم وبين ما حدَّدوه لأنفسهم، منا من يبني الحواجز، ويشيِّد الأسوار حول نفسه، ويحيط حياته بكمٍّ هائلٍ من المصطلحات والمفاهيم الخاطئة التي تسهم في الإصابة بالقعود والخمول .
وإليك بعض المصطلحات وبدائلها؛ التي بتكرار استخدامها تُرسِّخ داخل النفوس الكثير من الصفات السلبية التي تعوق عن الانطلاق والإقدام واقتحام آفاق النجاح والتميُّز:
بدلاً من القول ---- الأفضل أن نقول
هذا عمل صعب أو هذه المهمة صعبة ---- هذه المهمة ليست سهلة ولكن أستطيع أن أقوم بها
لا تغضب ---- هدئ أعصابك
كم كان هذا اليوم شاقاً ---- كم كان هذا اليوم مفعماً بالنشاط والعمل
لا أستطيع ---- سوف أسعى وأحاول
أظن أنني سأنجح ---- إن شاء الله سأنجح
لا أعتقد أنه يتحقق ---- آمل أن يتحقق
أشعر بكسل ---- أحتاج إلى حركة ونشاط
لا أخاف ---- أنا شجاع
أشعر بضعف ---- يجب أن أتقوى
أنت ضعيف ---- تحتاج إلى مزيد من الجهد والتمرين
الكثيرون يستخدمون هذه المصطلحات أو بعضها؛ مما يكوِّن إحساسًا داخليًّا بمعانٍ سلبيةٍ كثيرة، مثل :
الدونية والتشكيك في القدرات الذاتية؛ مما يصيبه بالإحباط، وبالتالي عدم القدرة على الإنتاج والعمل .
سباحة الضفادع
ويحضرني هنا كلمات قالها أحد العلماء المتخصصين في العلوم السلوكية، هو \"باري إيغن \" :
لابد أنكم سمعتم المثل القائل \" لا يقرع الحظُّ بابكَ مرتين \" ، لا تصدقوا هذا القول، فالحظ يطرق باب الإنسان دائمًا، وكل ما في الأمر هو أنه يأتينا فجأة، ويأخذنا على حين غِرة.. اقترَحوا عليك عملاً جديدًا فرفضته، ودُعيت لإلقاء محاضرة فظننت أنك غير قادر عليها، أو البيت الذي أردت شراءه ولم تشتره..، والكثير من الفرص.. هل تتذكَّر كل هذا؟ تقبلوا الأعمال والمسئوليات الأصعب بشَوق، وثِقوا أنكم لن تفشلوا؛ بل ستنهضون بمسئولياتكم الجديدة وتتعودون عليها بعد مدة.. اللهم إذا كنتم على يقين من أنها فوق طاقاتكم وخارج اختصاصكم وخبراتكم تمامًا .
لا تتوقعوا أن تتم الأعمال لها ولنفسها، حينما يسألك أحد : هل تظن أنك قادر على تولي مسئولية جديدة؟ عليك الإجابة بلا أي تردد: \"نعم.. يقينًا\"، قد يعتريك الخوف بلا سبب، فتقول لنفسك: \"الواقع أنني لا أستطيع النجاح في هذا العمل، كيف أستطيع تعلُّم كل هذه الأشياء التي يجب أن أتعلمها؟ إنني أشعر الآن بأن مهامِّي ثقيلة\" هذه مشاعر طبيعية حينما يتولى الأشخاص مسئوليات جديدة؛ ولكن بمجرد أن تستطيعوا السباحة اقفزوا إلى الماء بكلتا قدميكم، وتخبَّطوا بأيديكم إذا اقتضت الضرورة.. وشيئًا فشيئًا ستتعلمون.. حتى سباحة الضفدع \" .
هذا يعنى الاستعداد والتهيؤ لاقتناص الفرص نفسيًّا وعمليًّا، من ناحية أخرى؛ فإن الإنسان إذا ما سوَّف وتماهل ولم يبادر فإنه- بالإضافة إلى احتمال فوات الفرصة- قد يفقد القدرةَ والإمكانية ويصبح التباطؤ والكسل من صفاته، فاستمرار حياته ليس بيده، كما لا يضمن صحتَه والحفاظ على مستوى نشاطه ودوام وسائل وآليات الحركة عنده، والنبي- صلى الله عليه وسلم- يقول في حديثه : ( اغْتَنِمْ خَمْسًا قَبْلَ خَمْسٍ ) ، منها ( شَبَابَكَ قَبْلَ هِرَمِكَ ) ، فلا نحرم أنفسنا الكثير من الأجر، فهناك الكثير من المجالات التي نحرم أنفسنا من اقتحامها؛ نتيجة للخجل أو عدم الثقة بالنفس وبالقدرات الشخصية، فالمجالات مفتوحة للجميع من جمعيات خيرية، ومشاركات في المؤسسات الاجتماعية المختلفة، أو المساهمة في لجان كفالة الأيتام، وصناديق الزكاة، ومجالات العمل التطوعي والخدمي، مثل: مشروعات التشجير وحمالات النظافة .
الخير كل الخير لمن تفاعل مع بيئته المحيطة بل عالمه المحيط به، فالأمة الأسلامية كالجسد الواحد، يجب أن نكون إيجابين مع أنفسنا ومع مجتمعنا القريب : ( مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ ) ، ومع أمته الإسلامية في فلسطين وأفغانستان والشيشان والعراق وغيرهم، فنقرأ ونتابع أخبارهم، ونُعَرِّف مَن حولنا بها، وندعو لهم، ونتبرَّع لهم بما نستطيع، فمردود القيام بتلك الأنشطة يعود بالخير عليه وعلى مجتمعه وأمته .
مصدر الموضوع سلسلة مقالات عن صناعة الحياة والتنمية البشرية - منتديات الهندسة نت http://www.alhandasa.net/forum/showthread.php?t=134665#ixzz1yzZm9wKB
الاشتراك في:
الرسائل (Atom)